الأمين برس

2026-04-15 00:00:00

صوت الأرض: حوار بين القلب والعقل والأرض الجريحة

كتابات
2026-04-14 15:32:25

في ليلةٍ ثقيلة الصمت، كانت الأرض تنزف من تحت التراب، كأنها تحفظ في صدرها آلاف الصرخات التي لم تُسمع، وذكريات لا تموت… هناك، حيث تختلط الدماء بالتراب، ويمتد الألم على امتداد الجنوب الجريح، منذ أن تبدّلت الملامح بعد عام 1990، وتحوّل الوعد إلى عبء، والوحدة إلى وجعٍ مفتوحٍ لا يندمل. قال القلب بصوتٍ مرتجف: يا أرض الجنوب… لماذا كل هذا الألم الذي يسكنك؟ لماذا لا تنتهين من البكاء؟ فأجابت الأرض بصوتٍ مكسور، كأنه يخرج من بين الركام: أبكي لأنني رأيت أبنائي يسقطون واحدًا تلو الآخر، ورأيت أحلامهم تُدفن قبل أن تولد. أبكي لأن ما قيل إنه بداية، كان بداية لفقدٍ طويل، تلاه تنكيلٌ أنهك الإنسان قبل المكان، وأوجاعٌ تراكمت حتى أثقلت الروح. حملت فوق صدري قوافل من الشهداء والجرحى، ومنذ زمنٍ بعيد وأنا أبتلع وجعي بصمت… فكيف لا أبكي؟ تدخل العقل بصوتٍ حزين لكنه متماسك: ومع ذلك ما زلتِ واقفة… لم تسقطي. فيكِ من الصبر ما يكفي لقرون، وفي ترابكِ كُتب تاريخ من الصمود لا يُمحى، رغم كل ما مرّ بكِ من قسوةٍ وتجاهل. لكن الأرض صرخت بألم: أي صمود هذا؟ وأي حياة؟ أين الحرية التي وُعدت بها؟ أين الأمان لأطفالي؟ أين الكرامة التي تستحقها شعوبٌ أنهكها الانتظار؟ وأين العالم… الذي رأى كل ذلك، ثم اختار الصمت؟ كيف تُترك أرضٌ تنادي، ولا يُجاب نداءها؟ وكيف يُختزل وجعي في خبرٍ عابر، كأن الدم لا يستحق أكثر من مرورٍ سريع؟ سكت القلب لحظة، ثم قال بنبرة يملؤها الإصرار: لن نترككِ وحدكِ… سنحمل وجعكِ في صدورنا، وسنحفظ حكايتكِ من النسيان، وسنظل أوفياء لكل من استشهد في سبيل لله فوق ترابكِ الطاهر، حتى ينهض الجنوب من تحت هذا الظلام. وأضاف العقل بثبات: سنبني ما تهدّم، ونستعيد ما سُلب، وسنصنع من الألم طريقًا إلى مستقبلٍ مختلف… مهما طال الزمن، ومهما تأخر الإنصاف. فهمست الأرض بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالأمل: إذن لستُ وحدي… ما زال في أبنائي من يؤمن بي، من يرفض أن أُدفن حيّة تحت الصمت، أو أن أُترك رهينة لخذلانٍ طال أكثر مما ينبغي. قال القلب: الوعد أن لا يموت حقكِ، وأن تبقى حكايتكِ حيّة، لا يطويها النسيان ولا يطفئها الصمت. وقال العقل: وأن يولد من هذا الألم فجرٌ لا يُشبه الماضي… فجرٌ من الحرية والكرامة، يُعيد للأرض معناها، وللإنسان صوته. وأخيرًا، ابتسمت الأرض ابتسامةً حزينة، كمن وجد بصيص حياة وسط الرماد… وقالت: ما دام فيكم هذا الوفاء… فلن أموت. أنور العمري

https://alameenpress.info/index.php/news/56499
You for Information technology