بداخل كل منا دعوة كدعوة تولستوي

من رفوف الذاكرة:

بداخل كل منا دعوة كدعوة تولستوي

قبل 5 أشهر
بداخل كل منا دعوة كدعوة تولستوي

بقلم/أوراس عبدالله

بعد ان استكملت قراءة "رسائل تولستوي وغاندي .. عن المحبة والعنف وحقيقة الروح البشرية" ، تسابقت أسئلة عديدة لتتصدر المركز الأول في ذهني، وارتسمت صورة التفجير الغادر لمبنى البحث الجنائي في مدينتي عدن، و طالت مسامعي أصوات الرصاص وهتافات الجنود وهم يحاولون إعادتنا إلى مديرية المنصورة كيلا نسبب زحاما في المنطقة و حفاظا علينا بسبب استمرار الاشتباكات ما بين الطرفين، ماذا سيقول تولستوي عن كل هذا؟ وما رأي غاندي أيضا؟ أين نحن من شريعة المحبة؟ وفي وضع كهذا أيعد اللاعنف الحل الأمثل للخلاص من المآزق التي تورطنا بها ونقطة انتهاء للحرب التي بيننا وبيننا؟ أسنكتفي بالحب كسبيل وحيد لإنقاذ الإنسانية من الأمراض كافة أم ثمة شيء آخر لاعتناقه .. كالإنصاف مثلا؟

دعوة تولستوي تمحورت حول اعتناق شريعة المحبة والكفر بالعنف، ومثل تولستوي الذي قضى أعوامه العشرين الأخيرة يبحث عن إجابات للاسئلة الأخلاقية الكبرى في الحياة، رأيت نفسي مع فارق السن أتوه في دوامات عدة وأبحث عن إجابات تشفي مرض التساؤلات الذي أصبت به فاسأل هذا وأقرأ هذا وأفكر مليا و وجدتني أنادي بدعوة قد تكمل دعوة تولستوي أو تتعارض معه ربما..

دعوتي هي اعتناق شريعة الإنصاف، ففي الوضع الراهن نحتاج لإرساء مقاليد الإنصاف فلا يشترط أن أرى الكل بعين المحبة بحسب طبيعة اختلاف البشر التي خلقنا الله عليها، فالاختلاف لم يقربنا كقوانين الفيزياء في تجاذب العناصر مختلفة الشحنة بل أفسد كل قضايا الود بيننا ، فقد يولد الأشخاص من لا نستصيغهم أو نستلطفهم بالتالي لا يتوجب علينا محبتهم ولكننا بدون أدنى شك يتوجب علينا التعامل معهم بإنصاف كي لا نظلم ولا نظلم.

دعا تولستوي إلى دعم استقلال الهند عن الحكم الاستعماري البريطاني بطلب من الثوري الهندي تاركناث داس دعوة تتسم بالمقاومة اللاعنفية باعتبار أن الشر يقاوم بالمحبة التي هي من أساس الطبيعة البشرية وتنبأ أيضا بفجوة تشق السلام العالمي وهذا ما تحقق بعد أقل من خمس سنوات حيث اندلعت الحرب العالمية الأولى, الحرب الخانقة كالأيام في وقتنا الحالي, نختنق بدخانها الأسود الذي نستنشقه و المنبعث من التفجيرات, نختنق بعبراتنا من أخبار الاغتيالات وأعداد الوفيات التي تصلنا كل يوم, نختنق والخلاص بأيدينا لكن قتامة الأيام أغشت بصيرتنا وعمينا عن النور الذي أضاء تولستوي رسائله بها ودعا إليه وهو أن نحب بعضنا بقدر ما نحب أنفسنا, ننبذ العنف بدون استخدامه, نحبهم ولا نتبعهم اتباعا اعمى يحكم على مصيرنا بكلمة أو حركة إصبع, اتباع بعض يفرقنا عن الكل, اتباع نلتمسه في إعلامنا, الذي مورس فيه تغييب وتزييف وتضليل وتشويه الحقائق بغية استمرارهم وتوسيع نفوذهم دون اعتراض.

تمنيت للحظة أن تكون رسائل تولستوي وغاندي المتنقلة من الهند الآسيوي إلى الجنوب الأفريقي ليست مجرد كلمات على ورق, بل قوى خارقة تلغي الحواجز والحدود التي لطالما كانت سببا في اندلاع الحروب, تنثر رذاذا سحريا يغسل قلوب البشريين ويعيدها نقية من جديد.

تولستوي رأى اتباع المحبة أفضل حل لكن ماذا لو جربنا اتباع شريعة الإنصاف؟ فالحكام والرموز الذين من المفترض منهم أن يتقوا الله في ما حملوا من مسؤوليات هم ذاتهم بؤر الفساد, يناضلون للبقاء على عروشهم, يآثرون محبة أنفسهم على محبة غيرهم, معهم لا يعتبر الحب أفضل حل من وجهة نظري, رغم انه من المحتمل أن تكون دعوة تولستوي مستندة على توقعات بالوصول إلى اتفاق و نقاط مشتركة وانتهاء المشاكل وإفشاء السلام بعد التوترات والزعزعات , لكن قرائتي للواقع تستبعد هذه التوقعات, ففي وقتنا الحالي أجل امنياتنا ليست السعادة بل الأمان, الامان الذي نفتقده كثيرا, ففي هذه اللحظة التي أكتب بها المقال لازلت أعاني تبعات تفجير إرهابي آخر استهدف الحي الذي أسكن فيه, لم أعد أبحث عن السعادة والمحبة بقدر الأمان الذي لن يتحقق إلا بالإنصاف, فالنفوس البشرية طالتها الدخائل وشوهت ودنست وأفلتت زمام أخلاقها على مر الزمان, النفوس عليلة تحتاج وقتا طويلا حتى تستعيد عافيتها من جديد وحتى ذاك الوقت يتوجب إطغاء الإنصاف والعدل حتى لا تضيع الحقوق والأرواح.

يقول تولستوي أنه بالأحرى " يتحتم عليه ان يسبك لنفسه فهما للحياة يتناسب مع عمره" قد نتخذ مواقف سلبية تجاه أشخاص بدافع أحكام مسبقة تدفعنا لكراهيتهم ولكن في مرحلة عمرية ما يتبين لنا معدن هؤلاء الأشخاص ونبدأ التعامل معهم بمحبة وهو أمر يمر به كل انسان عند انتقاله بالمراحل العمرية حيث يزداد نضجا ويبتعد عن البؤس والتصرفات العبثية, في شريعتي "الانصاف" إذا ظلمت شخصا من قبل بالتأكيد سأحاسب على ظلمي ولو بعد حين , وقد يسامحني من ظلمته لكنه لن ينسى يوما ما حل به, الكره يمحى بالحب و الظلم لا ضمان له بأن يغفر, حتى وإن توقفنا عنه وأصبحنا أكثر وعيا ورشدا, سيبقى دائما فوات آوان.

تولستوي استنكر استعباد شركة تجارية أجنبية أمة تعدادها مائتا مليون شخص, بينما تعبت أفواهنا من الفغر تعجبا واستنكارا واستغرابا من حكامنا اللصوص الذين يقتاتون من عرق شعبهم بلا رحمة.

أقول لتولستوي أن المحبة خلق عظيم ولست بضدها لكنها لا تحل مشاكلنا الزاخمة بالتعقيدات, لن تعيد لي حبيبا فقدته أثر انفجار مباغت غادر, لن تطعمني لقمة عيشي التي أجاهد في الحصول عليها وانتظر أشهرا طويلة لاستلام ما هو حق لي, لن تلغي المحبة الفوارق والعنصريات اللونية والعرقية والمناطقية المترسخة في أذهان البعض ببساطة, ولأفترض أنها الحل, لن أكتفي بها وحدها فأنا بحاجة لاسترداد حقوقي وأعيش بكرامة ولن يتحقق ذلك إلا بالإنصاف.

 

التعليقات

الأكثر قراءة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر