اليوم العالمي لمكافحة عمالة الاطفال.. زائر صامت مر باستحياء!

اليوم العالمي لمكافحة عمالة الاطفال.. زائر صامت مر باستحياء!

قبل 3 أسابيع
اليوم العالمي لمكافحة عمالة الاطفال.. زائر صامت مر باستحياء!
الأمين برس / استطلاع وتحقيق/أشرف خنبري

الأطفال هم بذور الحياة التي تزرع في المجتمع لينتج منها ثمار حصاد ما تم زرعه بحسب ما سقاها به عناصر مجتمعهم والبيئة المحيطة بهم واسلوب تربيتهم ومراحل تنشئتهم، كما قال رسول الله ﷺ: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" ، لذا يعتبر الأطفال رسالة ممتدة لما مروا به وما تم تنشئتهم وتربيتهم عليه، ويعتبر الأطفال هم أصدق مرأة تعكس بشكل عام حقيقة الماضي الذي قام بتشكيلهم والواقع الذي يعيشون فيه والظروف التي أثرت وتؤثر عليهم وتجعلهم يظهرون مثلما نراهم الأن.


-الأطفال في اماكن عملهم-


يعيش الأطفال في معظم مناطق اليمن في الوقت الراهن حياة تختلف عما قد يتصوره انسان عن حياة الأطفال، فالأطفال في هذا البلاد تراهم يحملون على عاتقهم اعباء كبيرة جراء الظروف التي تمر بها بلادهم من حروب وأزمات اقتصادية وتعليمية ومجتمعية وانسانية وحتى مناخية.


حين تدخل إلى مطعم ما فسيكون امر غريب ان لا ترى طفل يعمل فيه، هناك في احد المطاعم، يقوم مفيد البالغ من العمر أثنا عشر عاماً بمتابعة طلبات زبائن المطعم وتقديمها لهم راكضا من زبون لأخر محاولا عدم تأخير الطلبات عليهم، لأثبات جودته لصاحب المطعم في تنفيذ هذا العمل، حتى يتمكن في نهاية اليوم من الحصول على اجره الذي اجتهد لأجله والطعام الذي يعطى له ليشتد حتى يستطيع تأدية العمل المطلوب منه.


حين سئل مفيد عن كيفية ادائه للعمل قال انه في البداية كان مرتبكا واسقط في احدى المرات صحن الطعام على الارض، وفي حادثة اخرى سلم طعام مختلف عما طلبه الزبون دون ان ينتبه، وعاتبه صاحب المحل على ذلك، ولكن العمال الكبار وقفوا بجانبه وساعدوه وعلموه وها هو الان صار يعرف ما يفعل وكيف يقوم بالعمل وكيف يتحدث مع الناس.


في مكان أخر حين تتوقف بالسيارة لدى محل بنشر السيارات لتفقد زيت السيارة واطاراتها، ترى طفل يأتي لك بملابس عمل زرقاء يملأ وجهه ويديه وملابسه الزيت والشحم وتلاحظ ان قميصه ممزق بعض الشيء، تراه يأتي لك متحمسا ويقول لك اي خدمات يا مدير، ذلك هو خالد البالغ من العمر 15 عاما، والذي يعمل في فترة الاجازة في محل بنشر السيارات ليساعد والده في مصاريف الحياة.


يقول خالد لقد ارتفعت اسعار كل المواد والمستلزمات، كل شيء صار سعره مرتفع بشكل لا يستطيع والدي على توفيره لنا، وابي صار الان بلا عمل لان المصنع الذي كان يعمل به اغلق ابوابه وتوقف عن العمل بسبب الحرب، يؤكد خالد ان والداه لم يجبرانه على العمل، وقال: والديا يريداني ان اتعلم، وانا كذلك اريد ان اتعلم، لكن المدراس الحكومية مغلقة، ولا يوجد سوى المدارس الخاصة، لهذا انا اعمل هنا لتوفير مصاريف دراستي في مدرسة خاصة استطيع تحمل تكاليفها من العمل هنا.


-لماذا يعمل الأطفال-


تقول الاستاذة التربوية رنا نبيل ان عمالة الأطفال هي ظاهرة غير حضارية ترتكز على عدة عوامل اهمها حالة الفقر التي يعيشها المجتمع والتي تضطر العائلات للدفع بأولادهم لترك الدراسة والتوجه لممارسة أي اعمال تدر عليهم المال، وعادة ما تكون هذه الاعمال حرفية او تقنية لا تتناسب مع قدراتهم البدنية والعقلية وبالطبع السنية.
تؤكد الاستاذة رنا ان الفقر ليس هو السبب الوحيد لعمالة الاطفال، فأحيانا طبيعة وعي الاسرة هو الذي يجعلها تتجه لأرسال اولادها للعمل وهم اطفال ظنا منهم ان التعليم والدراسة هي اشياء غير اساسية وتعتبر من الكماليات ويمكن الاستغناء عنها وان العمل في سن صغيرة سيعود على اطفالهم بفائدة أكبر من التعليم لهذا يقومون بزج اولادهم الى ميادين عمل غير مناسبة لسنهم.


وتشير الاستاذة رنا ان الاطفال الذين يعملون ويدرسون في نفس الوقت يتحملون عبء كبير يظهر ذلك في مستواهم الدراسي وفي مزاجهم الطفولي، فتجد الطفل يأتي للدراسة صباحا ثم يذهب للعمل عصرا ثم يحضر دروس اليوم التالي مساء، وان واجه موقف معين او صعب في العمل ترى تأثير ذلك عليه واضحا كان في واجباته او في تعامله مع غيره من الاطفال، وكل هذا يؤدي الى حرمان الطفل من مرحلة مهمة في حياته بغض النظر عن الظروف التي يعيشها ولكنها في النهاية تتسبب بفجوة حياته وهي فقدانه عيش مرحلة الطفولة بشكل طبيعي.


المشرفة الاجتماعية الاستاذة نوال حسين تقول ان رؤية الاطفال في الورش والمطاعم والمقاهي والبقالات بل ومواقف السيارات لبيع اي صار مشهدا عاديا للأسف في مجتمعنا، وهذا ينعكس في احيان كثيرة بشكل سلبي على طفولة الاولاد وتنشئتهم، وهناك عدة اسباب لانتشار ظاهرة عمالة الاطفال بشكلها السيء في بلدنا حيث بدلا من ان تضيف لهم ما ينفعهم مثلما تقول اسرهم فهي تحرمهم مما يفترض ان يكون معهم من دراسة وحياة طفولية طبيعية، ويظهر ذلك في ان الطفل لا يعيش مرحلته العمرية بالطريقة المفترض ان يعيشها ويتم ارساله للعمل من قبل اسرته التي تفكر اما في المكسب المادي من عمل الطفل او تظن ان العمل وهو طفل سيكون ذو فائدة له، فتقوم تلك الاسرة بالزج بذلك الطفل في عمل يتجاوز عمره ويتم مطالبته ان يكون انسان في عمر اخر غير ان يكون طفل وهذا اسلوب غير صحيح وضار على الاطفال.


تقول الاستاذة نوال ان هناك الكثير من الاضرار التي يتعرض لها الاطفال من العمل في سن صغيرة لا تناسب ذلك العمل، ومن تلك الاضرار التحولات النفسية والشخصية التي قد تؤثر على الطفل جراء المواقف التي يتعرض لها في العمل، مثل ان يصرخ عليه شخص غريب كونه لم يقم بالعمل كما يجب، او يتم اهانته او اخضاعه لممارسة العمل بالقوة وبقسوة بينما هو طفل من الواجب التعامل معه بطريقة تناسب سنه مما يعرضه لصدمات في سن مبكرة قد تنعكس سلبا على كل مسيرة حياته حين يكبر.


يحيى شخص بالغ يعمل في احد المطاعم، سألناه كيف يرى عمل الأطفال في المطاعم، يقول انه يعمل في المطاعم منذ عشر سنوات حين كان عمره 15 عاما، ووالده اجبره على العمل بدل من الدراسة كونه لا يستطيع ان يتحمل مصاريف دراسته، لهذا بدأ هذا العمل بسن صغيرة، ومرت عليه الايام والسنوات وهو يقوم بهذا العمل وهذا العمل هوالشيء الذي يعرفه ويستطيع عمله بما لديه من خبرة فيه وانه تعود عليه ولا يفكر بتركه.


يقول يحيى ان اكثر شيء يهم في العمل هو ارضاء صاحب العمل وتأدية العمل كما يريد، كون اساس العمل بالنسبة له هو المال والمكسب الذي سيتحصل عليه، لهذا صاحب العمل يراعي العمل وما يأتي به من مال في المقام الأول قبل كل شيء ولا يهم سن من يعمل لديه والمهم له فقط القيام بالعمل كما يجب للحصول على المكسب المالي المطلوب، لهذا المقصر في عمله يتم معاقبته واحيانا طرده من العمل.


-اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال-


في عام 2002 ، اعلنت هيئة الأمم المتحدة التي تنظم عالم العمل، والمعروفة باسم منظمة العمل الدولية، اطلاق اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال ليعتمد ان يكون في 12 يونيو من كل عام وذلك تصديقا على اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن العمل واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال.
ويهدف اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال ، الذي يقام في 12 يونيو ، إلى تعزيز الحركة العالمية ضد عمل الأطفال، ويتم الاحتفاء به سنويا في هذا التاريخ في ما يقرب من 100 دولة من جميع أنحاء العالم لرفع مستوى الوعي حول محنة الأطفال العاملين في جميع أنحاء العالم، ولغرض لفت الانتباه إلى مشكلة عمالة الأطفال والمشاكل والأضرار التي يتعرضون لها عند اجبارهم على العمل واسباب اجبار الأطفال على العمل وإيجاد طرق للقضاء عليها أو محاربتها.


ووفقًا لبيانات منظمة العمل الدولية ، فإن مئات الملايين من الفتيات والفتيان في جميع أنحاء العالم يشاركون في عمل يحرمهم من الحصول على التعليم المناسب والصحة والترفيه والحريات الأساسية ، مما ينتهك حقوقهم بهذه الطريقة. ومن بين هؤلاء الأطفال ، يتعرض أكثر من النصف لأسوأ أشكال عمل الأطفال، وتشمل أسوأ أشكال عمل الأطفال العمل في بيئات خطرة وكذلك التورط في النزاعات المسلحة، حيث بحسبهم يشارك الكثير من الأطفال في الفئة العمرية من 5 إلى 17 عامًا في عمل يحرمهم من الطفولة الطبيعية ، مثل الحصول على التعليم المناسب أو الرعاية الصحية المناسبة أو وقت الفراغ أو الحرية الأساسية فقط.


-مرور على استحياء-


لقد مر اليوم العالمي لمكافحة عمالة الاطفال مرور الكرام ولم ينل الاهتمام المطلوب عند كثير من الناس وكثير من الدول، وعلى ما يبدو ان العالم صار مشغول بأمور أخرى يرونها اكثر أهمية من الاهتمام بالأطفال وعمالتهم والممارسات التي يتعرضون لها، وفي بلدنا يعاني الاطفال بشكل قد لا يشعر به غيرهم، فهم محرومون من الدراسة بسبب اغلاق المدراس، ولا يدرون كيف يقضوا وقتهم بسبب انقطاع الكهرباء واغلاق معظم اماكن لعبهم التي اما تخربت او تم الاستيلاء والبسط عليها، وهناك من فقدوا بيوتهم جراء الكوارث الطبيعية من الامطار والسيول، هذا اذا لم تكن قد مستها ودمرتها قذائف الحرب، وهناك المرض والاوبئة المنتشرة التي اجلستهم في بيوتهم فلا يملكون سوى ان يتفكروا وان يتدبروا ماذا يفعلوا، وقد يضطرون في لحظة ضعف منهم او من اسرهم ان يذهبوا القيام بأي عمل كان في سن مبكرة، ونرى حينها امامنا بشكل واقعي ومؤسف عمالة الأطفال التي لم مر يوم الاحتفاء بمكافحتها في بلدنا بصمت كزائر صامت مر باستحياء وكأنه لم يكن.

التعليقات

الأكثر قراءة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر