اكتشاف أثري جديد ونادر على مستوى الجزيرة العربية بمحافظة الضالع

اكتشاف أثري جديد ونادر على مستوى الجزيرة العربية بمحافظة الضالع

قبل 4 أسابيع
اكتشاف أثري جديد ونادر على مستوى الجزيرة العربية بمحافظة الضالع
 بقلم الباحث/شايف محمد قاسم الحدي

نصُّ ما جاء في نقش (جبل ذَبُوْب) الزَّبُوري بالضالع:

 

 {بسم الله الرحمن الرحيم رب السماوات.. أسألك الرزق من فضلك وأن تمنح عقله (قلبه) قوة (حلاوة) الإيمان}

 

 

◄ إنَّ النقش الصخري المدوّن بخطِّ الزّبُور القديم، زُبُر الأولين والمعروف بـ(زُبُر) نبي الله داوُود عليه السلام، الذي يقع في أعلى منحدر لِقِمَّة (جبل ذَبُوْب) بين بلدات الزَّند وذي حِمَار وذي عِنّاص وثوبة ودُقَّار ـ الضُبيَّات إلى الجنوب من مدينة الضالع، هو أَنْدَرُ اكتشافٍ أثريّ في اليمن والجزيرة العربيَّة عامة حتَّى الآن، حَيثُ يُعدُّ نقش جبل ذَبُوْب التاريخيّ المزبُور التذكاري التوحيدي (في الاستعانة بالله والثناء عليه، وطلب تقوية الإيمان منه)، حالة إستثنائية نادرة في الكتابات المنقوشة والمرسومة على صخرةٍ صلدةٍ وملساء مُوغِلة في القدم وتقع بالقرب من كهف قديم في قمَّة المنحدر القِبلي للجبل مكتوبٌ على واجهة صخرية مرتفعة.

 

ونقش (جبل ذَبُوْب) سيضيف الكثير من المعلومات التاريخيَّة المهمة عن حضارة ذلك الإنسان الذي عاش في تلك الحِقبة الزمنية وكيف تطوَّرت لديه الحياة الفكرية والاجتماعيَّة والدينيَّة وعَرَف طريقة الكتابة الزّبُورية ونقشها على الصَّخر، رغم قساوة محيطه، كما أنّ هذا النقش الأوّل من نوعه الذي يذكر آية البسملة مكتملة: «بسم الله الرحمن الرحيم»، وربما يلقي هذا النقش الزّبُوري الضوء بوضوحٍ على الحياة اليومية، وعلى تنظيم المجتمع الدينيّ في تاريخ الأقوام والحضارات القديمة التي سكنت جنوب الجزيرة العربيَّة.

 

 ومما لا خلاف عليه أنّ القرآن الكريم ذكر قبل حوالي 1440 عاماً زُبُر داوُود عليه السلام في سورة الإسراء بقوله:{وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}، والزّبُور هو الكتاب الذي أوحاه الله إلى داوُود عليه السلام، وسبق ظهور الإسلام بعشرةٍ قرونٍ ونيِّف تقريباً، و ـ أيضاً ـ قوله تعالى في سورة الشعراء ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾، وقوله تعالى في سورة الأنبياء ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، كل هذه الآيات القرآنية تؤكّد أنّ الزّبُور كتاب منزل من عند الله، وقال القرطبي في تفسيره:« الزّبُور كتاب داوُود عليه السلام حَسَن الصوت، فإذا أخذ في قراءة الزّبُور اجتمع إليه الإنس والجن والطير والوحوش لحُسن صوته»، وجاء في المعجم الوسيط:( الزَّبُورُ : الكتابُ المَزْبُور، وغلب على صُحُف داوُود عليه السلام . والجمع : زُبُر )، وهو زَبُورًا: اسم علم والجذر: زَبَرَ والأصل: زَبُور، والكتاب أيّ كتبه أو أتقن كتابته، فهو مزبُور وزبُور.

 

  وبالعودة إلى نقش (جبل ذَبُوْب التاريخيّ) في محافظة الضالع جنوب اليمن، فإنَّ ما ورد في بعض محتوياته الزّبُورية كان على شكل مناجاة ودعاء ومواعظ، وقد يكون خط الزّبُور المدوّن في (جبل ذَبُوْب) استمر في الكتابة إلى عهد نبي الله سليمان بن داوُود عليهما السلام؛ بل ويؤكّد هذا ما جاء في القرآن الكريم في سورة النمل في قصّة ملكة سبأ، حينما دخل هُدهُد سليمان كُوَّة (نافذة) الملكة وألقى عليها كتابًا كريمًا، فقرأته، فإذا فيه:( إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم)، ونُبَرهِن ممّا جاء في نصِّ هذه الآية الكريمة في سورة النمل أن كتابة البسلمة سبقت ظهور الإسلام بقرونٍ كثيرةٍ أو أنَّها ظلت تُستعمَل من قبل الأنبياء والصالحون من الأمم السابقة، وهناك أحتمالية أن الكتابة المُسْنَدية بنوعيها الزّبُوري والمُسْنَدي ظلَّا يُستخدَمان معًا حتَّى بعد ظهور الإسلام إلى جانب اللُّغة العربيَّة لا سيَّما أن هناك دلائل استمرارية لهذا الخط كامتدادٍ للكتابة الزّبُورية حتَّى بداية ظهور الإسلام بقرنين من الزمن؛ وهذا ما أكّده البروفيسور ـ محمد علي الحاج، عالم الآثار واللغات القديمة من كليَّة الآثار والسياحة بجامعة الملك سعود، إذ قال:«إنَّ هذا الخط الزّبُوري قد يعود تاريخه إلى نهاية الفترة التوحيدية من تاريخ ممالك جنوب الجزيرة العربيّة قبل الإسلام، ويضيف أن (نقش جبل ذَبُوْب التاريخيّ بالضالع) ذو طابع تذكاري في الثناء على الله بوصفه الرحمن الرحيم رَبُّ السماوات، وفيه يلتمس كاتبُه الرزق من الله، وأن يزيد قلبه قوةَ إيمانٍ وتصديقٍ به، ليزداد قلبُه ووجدانُه حُبَّاً لله وخضوعًا له وأن قوام هذا النقش الصخري المزبُور سُطران مكتملان كُتِبا بخطٍ زَبُوري واضح غائر في الصخر، وتشير طريقة زَبرهما إلى مهارة في كتابة خطَّ الزّبُور وأنَّ أهميَّة النقش تأتي في احتوائه على مُعطيات تاريخيَّة ولغويّة جديدة، ويؤكّد الأستاذ حسان المجذوب أنَّ (نقش جبل ذَبُوْب) التاريخيّ في محافظة الضالع يوضح الانقياد والخضوع والعبودية في أسمى صورها للخالق العظيم الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وبيده الرزق والعطاء...انتهى».

 

  وهذا الاكتشاف فريدٌ من نوعه ويجعلنا أمام حَيرة من أمرنا كيف استطاع ذاك الإنسان من تطوير مهاراته في محيطه الذي كان يعيش فيه وتمكَّن من إتقان الكتابة المزبُورة بشكل فنيّ بديع وبراعة متقنة تدعو للدهشة والإعجاب في نمط تلك الكتابة المزبُورة التي أبدع فيها كاتبُها وبدت لنا وكأنها آيةً في الجمال والإتقان، وتكمُن الأهميَّة التاريخيَّة لهذا النقش إلى كونه أوَّل نقش زَبُوري يظهر مدوّناً على صخورٍ جبلية صمَّاء على باب كهفٍ في أعلى السلسلة الجبلية التي يصعب الوصول إلى قمَّتها بسبب إنحدارها الشديد وخطورتها، والتي تتميّز بقممٍ صخريةٍ حادةٍ وسفوح شديدة الإنحدار، حيثُ إنَّ خَطَّ الزّبُور عُرف عنه بأنّه كان يُكتَب على أعواد الخشب ولحاء الأشجار وعُسب النخيل وأوراق البُردي وفيما ندر على القِطَع الحجرية الصغيرة التذكاريّة، ولم يظهر مكتوبًا البتة على الصخر؛ وهذا ما يؤكّد بأنَّ النقش فريدٌ من نوعه وأوَّل الاكتشافات الأثريَّة للغة الزّبُورية مدوّنةً بصخر الجبال في اليمن والجزيرة العربيَّة عامة إلى الآن، وهو ذو طابع ديني يُخلَّد كأوّل نقش مسندي مزبُور توحيدي جاء على ذكر آية التوحيد مكتملة: {بسم الله الرحمن الرحيم}، ومن ثُمَّ مناجاةٍ من قِبَل صاحب النقش لربه، {أسألك الرزق من فضلك وأن تمنح قلبي حلاوة الإيمان}، ويؤكّد هذا النقش بأنَّ كاتبَه كان على كتاب سماويّ صحيح وعقيدة سليمة ودراية بتوحيدِ اللّه وأسمائه وصفاته، وسيظهر هذا الاكتشاف شديد الأهميَّة بالنسبة لمعرفتنا بالأقوام الزّبُورية التي استوطنت في منطقة الاكتشاف وما حولها مع وجود آثار وشواهد ومنشآت تدل على وجود حضارة في هذه السلسلة الجبلية التي تقع جنوب محافظة الضالع تعود إلى ثقافة وحضارة زَبُورية عاشت قبل 1000 عام من ميلاد النبي المسيح يسوع عيسى بن مريم، عليه السلام، ويشكّل هذا الكشف الأثريّ ماضٍ تليدٍ غائرٍ يضرب بجذوره أعماق التاريخ الموغل في القدم.

 

 ورغم إنّ كتابات الزّبُور كانت مخصصة لموضوعات تخصُّ الحياة اليومية والعملية للناس كالتوثيق والمراسلات والمعاملات المختلفة وكانت تُكتب على جريد النخيل وأعواد الخشب والجلود ولاسيّما المُستخدمة في حالات المراسلات والعقود وتوثيق عمليات البيع والشراء، أو فيما ندر على أحجار مهندمة تذكاريَّة صغيرة خفيفة الوزن، كما هو معلوم عند علماء الآثار والنقوش العربية الجنوبيِّة، إلاّ أنَّ نقش (جبل ذَبُوْب التاريخي) بالضالع يَدْحَض كلام المؤرِّخين بالحُجَّة والدَّليل ويؤكّد أن خطّ الزّبُور دُوِّنَ على صخور الجبال الصمَّاء؛ ولذلك نجزم أنَّ هذا النقش هو الأوّل من نوعه في اليمن والجزيرة العربيّة الذي يدوّن الخطّ المزبُور على صخر الجبال كنقشٍ تذكاريٍّ وما يجعل هذا النقش فريدًا من نوعه أنّه يسلّط الضوء على حقائق تاريخيَّة ودينيَّة مهمة.

 

  • كلمة شكر لكل من رافقنا في رحلتنا إلى (جبل ذَبُوْب) وفي مقدمتهم: الأستاذ عبيد عبدالله الفقيه، الأخ خالد أحمد محمد الحيدري، الأخ عبدالله محسن أحمد الحيدري والأخ مروان محمد علي الحيدري من أبناء ثوبة وذي عِنّاص.

 

【المكتبة الوثائقية الأميرية ـ الضالع】

التعليقات

الأكثر قراءة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر