حرب السعودية والإخوان على الجنوب

حرب السعودية والإخوان على الجنوب

قبل ساعة
مرةً أخرى، ولكي تفهم سياسة المملكة العربية السعودية، فأنت بحاجة إلى أن تعيش أكثر من حياة؛ لا لأن التجربة ثرية بالضرورة، بل لأن المسار بالغ التقلب إلى حدّ يجعل الذاكرة وحدها عاجزة عن تفسير التحولات، ويجعل المنطق السياسي نفسه في موضع ارتباك دائم. بعد ما يقارب أحد عشر عاماً على انطلاق أطول «عاصفة» في التاريخ، تآكل التحالف الذي قادته المملكة، ولم يتبقَّ منه سوى قائدته تقود ذاتها، وجزء من شرعية تقيم في ديارها، بعدما تحولت عملياً إلى واجهة تُدار باسمها ملفات الأزمة بما يخدم مصالح المملكة وصراعاتها الإقليمية. كان مبرر "عاصفة الحزم": الاستجابة لطلب "الرئيس الشرعي" لحماية الدولة من انقلاب مسلح، ودرء خطر الحوثي بوصفه ذراعاً لإيران و يشكل تهديداً مباشراً لأمن المملكة وأمن الإقليم، ولما سُمّي آنذاك "المشروع العربي". غير أن هذا التبرير لم يصمد أمام الزمن، ولا أمام اختبارات الواقع. فقد تبدّل المشهد بصورة دراماتيكية، تعكس المعنى الواسع للكوميديا السوداء في السياسة؛ إذ سعت المملكة لاحقاً إلى تقديم تنازلات للحوثي ذاته، وأوفدت سفيرها إلى صنعاء في زيارة تابع العالم تفاصيلها، وقرأ على وجهه ارتباك الدولة لا ارتباك الشخص، ومع ذلك لم يُبدِ الحوثي أي تنازل حقيقي، لا في الجوهر ولا في السلوك. المفارقة التي تقف عاجزة أمامها أكثر مدارس السياسة الواقعية صلابةً وبراغماتية، ويتيه في تفسيرها أمهر الاستراتيجيين، أن المملكة التي تسلك اليوم مسار سلام مع الطرف الذي أطلقت "عاصفة الحزم" لمواجهته، تعلن في اللحظة نفسها حرباً على قوات جنوبية في حضرموت، بذريعة أنها تشكّل تهديداً لأمنها واستقرارها. وهي ذات القوات التي تؤمّن الجنوب من هجمات الحوثي وتنظيم القاعدة، وتعمل تحت مظلة التحالف ودعمه. فأي تهديد هذا؟ وكأن هذه القوات تمتلك قدرة أسطورية على ابتلاع صحراء الربع الخالي، واختراق ذلك الفضاء الرملي الهائل الفاصل بين حدود الجنوب وحواضر المملكة! هنا لا يعود الأمر مجرد تناقض في الأولويات، بل يكشف تخبطاً استراتيجياً عميقاً لا يمكن اختزاله في مناورات عابرة أو أخطاء تكتيكية محدودة. كأن صانع القرار يعيش في عزلة تامة عن الواقع، أو يتعامل مع الجغرافيا والوقائع بوصفها أوراقاً قابلة لإعادة التشكيل وفق المصلحة. الأكثر إثارة أن المملكة، في هذا المسار، تكشف عن تحالف مفضوح مع قوى تنظيم الإخوان وما يتبعها من تشكيلات مرتبطة بتنظيم القاعدة، في مشهد يعيد إلى الذاكرة حروب تحالف 7/7، ثم حرب الحوثي عام 2015. وبهذا السلوك الصادم، تحاول قائدة التحالف إعادة فتح الأبواب أمام التنظيمات المتطرفة، وفي الوقت ذاته إعادة تقديم الحوثي للعالم بوصفه الطرف الأكثر تماسكاً، والأجدر بالبقاء كسلطة أمر واقع مستدامة في المناطق التي يسيطر عليها وتشرعن طموحاته في الهيمنة على الممرات البحرية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فهذه الحرب ستُضعف بالضرورة موقف المملكة و"الشرعية" في أي مسار تفاوضي مفترض، وستقوّض ما تبقى من صدقية خطابها السياسي والأخلاقي أمام المجتمع الدولي. هناك ألف سؤال يصعب إيجاد إجابات شافية لها حول سلوك المملكة ومغامراتها وأهدافها الحقيقية. غير أن العودة المتأنية إلى مسيرة "عاصفة الحزم" ومآلاتها تكشف بوضوح عن أخطاء كارثية، وغطرسة في إدارة الملفات، واستخدام فجّ للشرعية بوصفها ورقة ضغط ومساومة بيد المملكة. الرئيس الشرعي الذي خُيّل للناس أنه استدعى العاصفة لتصفية الانقلاب، انتهت العاصفة بأن عصفت به هو نفسه، وأخرجته من المشهد، ليُستبدل برئيس آخر أُدّخر لوقت مناسب؛ لاستدعاء "عاصفة" جديدة، ولكن بصيغة مختلفة: عاصفة موجّهة هذه المرة ضد حلفاء الأمس، وضد آخر عضو فعلي في التحالف العربي. المشهد مؤلم لكل ذي عقل وحكمة، في العالم العربي وخارجه. لأنه في الأخير يخدم مصالح إيران، ويغذّي التنظيمات الإسلامية المتطرفة، ويمنح الإعلام الشعبوي مادة دسمة لتغذية السطحية في تفسير الأحداث. أما الجنوب فإنه لا يملك ترف الخيارات ولا أوهام التوسّع. معركته دفاع وجودي في حرب فرضت عليه. يقاتل ليحفظ الأرض والإنسان ويمتلك من الوعي والإرادة والقوة ما يكفي لتحقيق نصر نهائي دون ضجيج. أحمـــــــــد عبد اللاه

التعليقات

آخر الأخبار

الأكثر قراءة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر