الأمين برس

2026-01-30 00:00:00

من 1994 إلى اليوم: لماذا يتكرر السيناريو؟ وكيف يفلت المجلس الانتقالي من الفخ؟

كتابات
2026-01-29 22:48:23

لم تكن حرب صيف 1994م مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل الحياة السياسية في اليمن، ورسّخت منهجًا في إدارة الخصوم ما زالت آثاره حاضرة حتى اليوم، وما جرى للحزب الاشتراكي عقب تلك الحرب لا يمكن قراءته كحدث من الماضي، بل كنموذج سياسي يُعاد إنتاجه بأدوات مختلفة، وهو ما يجعل المقارنة مع ما يتعرض له المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم ضرورية لا ترفًا فكريًا. بعد 1994، لم تتجه السلطة المنتصرة نحو مصالحة وطنية حقيقية، بل تعاملت مع النصر باعتباره تفويضًا مفتوحًا لإقصاء الشريك السابق، وأُخرج الحزب الاشتراكي من مراكز القرار، وفُككت بنيته التنظيمية، وجُرّد من روايته السياسية عبر خطاب رسمي صوّره كطرف انفصالي مهزوم، ولم يكن الهدف إنهاء الاشتراكي عسكريًا فقط، بل تفريغه سياسيًا وتحويله إلى كيان بلا تأثير. اليوم، لا يخوض المجلس الانتقالي الجنوبي حربًا عسكرية، لكنه يواجه نمطًا مشابهًا من «إدارة الصراع البارد»: تضييق إداري، تعطيل مؤسسي، تشويه إعلامي، ومحاولات حثيثة للفصل بين القيادة والقاعدة، والفارق أن الأدوات أصبحت أنعم، لكن الغاية واحدة: تفكيك المشروع دون كلفة المواجهة المباشرة. وفي تجربة الاشتراكي، جرى الفصل المتعمد بين القيادة التي صُنفت كخصم، والقواعد التي جرى احتواؤها معيشيًا وإفراغها من السياسة، و الرسالة كانت واضحة: السياسة تُعاقَب، والصمت يُكافَأ، وبهذه الطريقة خسر الحزب قاعدته قبل أن يخسر خطابه. اليوم، تتكرر المحاولة ذاتها مع المجلس الانتقالي: استهداف القيادة سياسيًا وإعلاميًا، مقابل فتح قنوات فردية مع شخصيات جنوبية، ومحاولات احتواء القواعد خارج الإطار المؤسسي، والخطر هنا لا يكمن في الضغط ذاته، بل في نجاحه بتحويل القاعدة من شريك سياسي إلى جمهور صامت. التشابه بين الحالتين واضح في المنهج، لكنه يختلف في السياق، و الحزب الاشتراكي كان حزبًا أيديولوجيًا نخبوياً، بينما المجلس الانتقالي تعبير عن قضية وهوية وتمثيل شعبي واسع، وفي 1994 كان القرار مركزيًا، أما اليوم فهو إقليمي ودولي متشابك، والأهم أن الوعي الشعبي الجنوبي اليوم أعلى، وتجربة الإقصاء السابقة تحولت إلى ذاكرة سياسية حاضرة، هذا الاختلاف يمنح المجلس الانتقالي فرصة تاريخية: فإعادة إنتاج سيناريو 1994 لم تعد سهلة، لكنها تظل ممكنة إذا تكررت الأخطاء ذاتها. الانتصار هنا لا يعني فرض أمر واقع بالقوة، بل منع التفكيك وتثبيت الشراكة، وأول الطريق هو حماية التنظيم والمؤسسات وعدم القبول بتحويلها إلى هياكل شكلية فخسارة التنظيم تعني خسارة السياسة، كما أثبتت تجربة الاشتراكي. ثانيًا، كسر أي محاولة للفصل بين القيادة والقاعدة عبر تواصل دائم، وخطاب واضح، وإشراك حقيقي للقواعد في القرار فالقاعدة الواعية لا تُحتوى فرديًا ولا تُفرَّغ بسهولة. ثالثًا، ضبط الخطاب السياسي والإعلامي، فكل عبارة انفعالية تُستخدم لاحقًا لنزع الشرعية وامتلاك رواية سياسية متماسكة من نحن، ماذا نريد، وما حدودنا هو سلاح لا يقل أهمية عن أي قوة أخرى. رابعًا، منع الاستقطاب الجنوبي–الجنوبي، الذي كان أخطر ما واجهه الاشتراكي ولم يكن الخصم، بل الانقسام الداخلي فلا مشروع وطني ينجح وهو منقسم على ذاته. خلاصه ما جرى في 1994 كان إقصاء شريك مهزوم وما يجري اليوم هو محاولة تفكيك مشروع قائم، والفارق أن المجلس الانتقالي لا يزال يمتلك التنظيم، والقاعدة، والرؤية فالحفاظ على هذه العناصر هو الفارق بين تكرار الهزيمة وصناعة مسار مختلف، فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يعاقب من لا يتعلم منه.

https://alameenpress.info/news/55964
You for Information technology