بوتيرة متصاعدة تستمر محاولات تفكيك أو إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي، سواء بمبادرات تتبناها المملكة عبر اللواء الشهراني، أو من قبل وزراء وشخصيات جنوبية، وتستهدف إنهاء هذا الكيان الذي يُنظر إليه على أنه يعرقل توجهات وسياسات، بل وصفقات إقليمية، ترغب في إزاحة قضية الجنوب من الواجهة واستبعادها من المتن إلى الهوامش. تحمل هذه التحركات لتحجيم وإنهاء المجلس الانتقالي دلالات سياسية عميقة تتجاوز الخلافات الشخصية أو التباينات الإدارية؛ فهي تعكس إدراكًا متزايدًا لحجم التأثير الشعبي والسياسي الذي بات يمثله المجلس في الجنوب. فمنذ تأسيسه عام 2017، تمكن المجلس من ترسيخ نفسه كقوة سياسية وعسكرية واجتماعية تُعبّر عن تطلعات شريحة واسعة من أبناء الجنوب، وبالتالي فإن استهدافه يُفسَّر كاستهداف مباشر لمشروع استعادة الدولة الجنوبية، ولايمكن اعتبار مايسمى تأييد حل المجلس بانه مجرد خلاف مع قيادة تنظيمية بعينها أو تباين في وجهات النظر. كما أن هذه التحركات تكشف، في نظر كثيرين، عن خشية بعض الأطراف من إعادة تشكيل موازين القوى داخل مؤسسات الشرعية؛ فوجود المجلس كشريك فاعل في الحكومة المعترف بها دوليًا فرض معادلة جديدة لم تعد تسمح بإقصاء الصوت الجنوبي أو تهميش قضيته كما كان يحدث في مراحل سابقة. وحين تُسهم شخصيات جنوبية تتبوأ مناصب وزارية، بحسب المتداول، في زعزعة تماسك المجلس، فإن الأمر يمكن تفسيره بأنه امتداد لنهج «إعادة تدوير النخب» التي ارتبطت بمصالح سياسية وشبكات نفوذ قائمة على بقاء الوضع كما هو عليه، لا على تمكين الجنوب من تقرير مصيره. ومن هذا المنطلق يُنظر إلى تلك التحركات بوصفها صراعًا بين مشروعين: مشروع يستند إلى التفويض الشعبي الجنوبي وخيار الاستقلال، ومشروع آخر مرتبط بتوازنات السلطة المركزية وحسابات التحالفات الإقليمية. إن دلالة استمرار هذه المحاولات، رغم حضور المجلس في الميدان والسياسة، تشير إلى أن قضية الجنوب لم تعد قضية هامشية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في أي تسوية سياسية شاملة للأزمة اليمنية. فكل محاولة لإضعاف المجلس تؤكد أن تأثيره بات يثير قلق كثير من الأطراف المتربصة بالجنوب، والتي ترى أن إعلان الحل من الرياض لا يفي بالغرض ولم يكن كافيًا. وغالبًا ما تؤدي مثل هذه التحركات إلى نتيجة عكسية؛ إذ تعزز التماسك الداخلي، وتدفع القاعدة الشعبية إلى مزيد من الالتفاف حول المجلس، باعتبار أن استهدافه يُنظر إليه كاستهداف للهوية السياسية الجنوبية. في المحصلة، فإن استمرار محاولات تفكيك المجلس ليس مؤشر ضعف داخلي، بل دليلًا راسخًا على ثقل حضوره في المعادلة السياسية، وعلى أن مشروع الجنوب بات رقمًا صعبًا في أي ترتيبات قادمة. والمفارقة أن بعض الشخصيات التي المجلس بتسمينها ومكّنها من الحضور السياسي هي نفسها التي تسيء إليه بلا مبرر، بينما الذين أُزيحوا من المشهد في السنوات الماضية هم من يستميتون اليوم في الدفاع عنه وعن مشروعه، وفاءً للإرادة الشعبية وخشيةً من مسارات مجهولة تُغذّى بأموال طائلة. *عضو الهيئة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي