الأمين برس

2026-03-18 00:00:00

اختفاء الريال اليمني.. هل بدأت نهاية السيادة النقدية؟

كتابات
2026-03-18 21:04:08

في مشهدٍ يشبه أفلام الخيال العلمي، تكاد العُملة الوطنية في أسواق اليمن تتوافر باستحياء.. بل وكأنها سراب؛ المواطن يقف في طوابير طويلة أمام البنوك وشركات الصرافة، يلهث خلف فئةٍ ورقيةٍ من فئة الألف ريال فلا يجدها، وفي المقابل، الريال السعودي يصبح سيد الموقف بلا منازع. ثم تأتي الصدمة الكبرى.. صُرفت رواتب بعض الوحدات العسكرية بالريال السعودي، فأحدى شركات الصرافة صرفت للجندي راتبه بسعر 411 ريالاً، وعندما أراد أن يصرفَه إلى ريال يمني وجَدَهُ بـ 400 فقط، وكأن المواطن يعيش في إحدى دول الخليج، مع أنه في اليمن! ما الذي يحدث؟ ولماذا تختفي العُملة المحلية بهذه السرعة؟ والأهم، إلى أين نحن ذاهبون؟ قبل سنوات، كنا نشتري ونبيع بالريال اليمني، كنا نخرج من المنزل ومعنا أوراق نقدية نضعها في الجيب. اليوم، الحديث عن "فكّة" بالريال اليمني أصبح مثل الحديث عن كنز مدفون.. ما السر؟ البعض يتحدث عن "حرب اقتصادية" منظمة، وآخرون يتهمون التجار والصرافين، لكن الحقيقة التي أراها هي "أزمة سلوك سوقي" وليست أزمة ندرة حقيقية. البنك المركزي في عدن لديه مشكلة كبيرة؛ فـ 90% من الكتلة النقدية المطبوعة أصبحت خارج سيطرته. أين ذهبت؟ أظن أنها في جيوب التجار والصرافين الذين يرفضون ضخها في السوق. قد يقول قائل: لماذا؟ أقول له: لأنهم ينتظرون ارتفاع قيمة الريال مستقبلًا ليحققوا أرباحًا طائلة من المضاربة، فيخلقون بذلك "ندرة مصطنعة" لرفع كلفة النقد والتحكم بالسوق. البنك المركزي يعاني من عدم قدرته على فتح "خزائن" هوامير التلاعب بالعملة المحلية، وإخراجها للمواطن. ببساطة... هناك من يجلس على كنز من العُملة المحلية، ينتظر اللحظة المناسبة ليضخها ويحقق أرباحًا بالملايين على حساب المواطن الجائع الذي يقف في الطوابير ليصرف راتبه المتواضع. هل صرف الرواتب بالريال السعودي.. إنقاذ أم تصفية للهوية النقدية؟ هنا المفاجأة! لأول مرة في تاريخ اليمن الحديث، يتم صرف رواتب بعض الوحدات العسكرية بعملة أجنبية. القرار جاء كـ"حل طارئ" بسبب أزمة السيولة، لكنه يطرح سؤالًا وجوديًا: هل نحن بصدد وضع منافس رئيس للريال اليمني؟ المواطن البسيط قد يفرح لأنه سيصرف راتبه بعملة "صعبة" لا تنهار كل يوم، لكن على المدى البعيد، هذا يعني أن الدولة قد تفقد سيادتها النقدية. في المقابل، الريال السعودي يفرض نفسه كعملة تداول منافسة بقوة في كل التعاملات اليومية في بلادنا، بدءًا من صرف رواتب بعض ٩الوحدات العسكرية، مرورًا ببعض المكونات والشخصيات السياسية، وصولًا إلى البيع والشراء في بعض المحلات التجارية، وكأن الاقتصاد اليمني أصبح مجرد تابع للاقتصاد السعودي. السؤال: هل التوحيد سيكون باتجاه العُملة الوطنية أم باتجاه إضافة العُملة السعودية إليها؟ يعيش الموظف اليمني بين مطرقة الغلاء وسندان الرواتب المنهكة.. واذا اقتربنا أكثر من الموظف الحكومي الذي يتقاضى ما بين 70-100 ألف ريال يمني، ويعيش -مثلًا- في عدن حيث الأسعار تقفز كل يوم، هذا الراتب لم يعد يكفي لشراء كيس أرز ودبة زيت وكيس سكر، ولا يكفي مصروفات أسرة تتكون من زوج وزوجة وثلاثة من الأبناء لخمسة عشر يومًا. مع ندرة العُملة المحلية من الأسواق، أصبح الموظف يقف في طوابير لساعات ليصرف راتبه، ومع ارتفاع الأسعار، يخرج من مكاتب الصرافة ليشتري سلعًا بأسعار تضاعفت بسبب "الندرة المصطنعة" للعملة، والتجار يرفضون تخفيض الأسعار حتى عندما يتحسن الريال مؤقتًا. °النتيجة الموظف في بلادنا أصبح تحت خط الفقر، فـنحو 21 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، ومعظم من تبقى من السكان يعاني انعدام الأمن الغذائي، أو يكابد لتوفير لقمة يومه بعيدًا عن حفرة الديون، وقلة تسير أمورها لا بأس.. إنها حالة تستحق وقفة. من يملك العملة الصعبة.. ماذا يفعل بها؟ وهل نحن أمام سيناريو "الدولرة"؟ الآن يأتي دور "الحاوش" الذي يملك عملة صعبة، هذا الشخص يقف حائرًا، البعض يقول له: احتفظ بالعملة الصعبة فهي الملاذ الآمن، والبعض الآخر يقول له: الريال السعودي أصبح سيد الموقف وقد تُلغى العُملة المحلية. القلة الذين يملكون مدخرات بالريال اليمني يشعرون بالذعر. ماذا يفعلون بعملتهم التي بالكاد تُرى في السوق؟ هل يبيعونها بأي سعر قبل أن تتحول إلى كومة ورق -كما حدث للدينار الكويتي أثناء غزو العراق للكويت عام 90- أم يحتفظون بها على أمل عودة الأمور إلى طبيعتها؟ الواقع يقول إن التعامل بالعملة الصعبة (الريال السعودي) أصبح هو السائد في الأسواق، حتى الحوالات من المغتربين أصبحت تُصرف بصعوبة وبسقوف محددة (مائة) ريال سعودي و (50) دولاراً فقط للشخص الواحد. هذا يُشير إلى أننا نسير ببطء نحو "دولرة" غير معلنة للاقتصاد، حيث يصبح الريال السعودي هو العُملة الرئيسة في التعاملات، ويبقى الريال اليمني مجرد رقم في الحسابات البنكية أو عملة للفكة البسيطة. العواقب الوخيمة.. ماذا ينتظرنا؟ إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فنحن مقبلون على فقدان السيادة الوطنية: العُملة هي وجه الدولة، وإذا اختفت فقدت الدولة هويتها الاقتصادية، كما سبحدث ـ لا سمح الله ـ انهيار القدرة الشرائية، حتى لو صُرفت الرواتب بالريال السعودي، فالأسعار سترتفع؛ لأن التاجر يعلم أن المواطن أصبح بيده عملة قوية فيرفع الأسعار. كما اتوقع تفاقم الأزمة الاجتماعية؛ حيث الفقر سيزداد، والجوع سينتشر، والاحتجاجات ستتصاعد من الموظفين النازحين والمتضررين، وكذا انقسام نقدي فعلي؛ وجود عملتين في السوق (الريال اليمني والريال السعودي) سيخلق سوقين للصرف وسيفتح الباب للمضاربات والمشاكل المالية. °الخاتمة ما يحدث في بلادنا ليس مجرد أزمة سيولة عابرة، بل هو اشتباك مالي خفي، إنها حرب اقتصادية منظمة تُدار عبر النقد وسعر الصرف. الدولة اليوم أمام اختبار وجودي: إما أن تستعيد سيطرتها على عملتها وتضع حدًا لعبث التجار والصرافين، أو أن تترك السوق نهبًا للمضاربين وتُدخِل الريال اليمني غرفة "الإنعاش". المواطن البسيط لا يفهم في نظريات الاقتصاد، لكنه يفهم أن قوت أطفاله يختفي كما تختفي العُملة من السوق. يا دولة، أنقذي عُملتك الوطنية قبل فوات الأوان، فما يُبنى بالسيادة لا يهدم بالعُملات الأجنبية. الشعب تعب.

https://alameenpress.info/news/56349
You for Information technology