صنعاء/عدن —
بين غبار التاريخ السحيق ومرارة الحاضر المنسي، يعيد التاريخ نفسه في القرى والمدن اليمنية، لكن في ثوبٍ أشد قسوة. تلك المشاهد القاتمة التي سكنت قرى الاتحاد السوفيتي السابق إبان مجاعة "ستالين" الرهيبة، حيث كان الموت يحصد الأرواح صمتاً وبلا ضجيج، تكاد تكون هي ذاتها المأساة التي يتجرعها اليمنيون اليوم؛ مأساةٌ تُكتب فصولها بدموع الجياع وبؤس المحرومين.
الموت كمداً.. خلف أبواب الصمت
في زوايا البيوت المتهالكة، يموت الكثيرون اليوم في اليمن ليس فقط من شُحّ الرغيف، بل "كمداً" وقهرًا، في بلدٍ ينهشه الفقر وتطحنه الأزمات. وفي مقابل هذا الأنين الخافت، تنشط آلة إعلامية غارقة في الوهم؛ أبواقٌ حكومية منفصلة تماماً عن واقع الأرض؛ خطابات تُسقط عمداً من حساباتها صور البؤس والمجاعة التي تفتك بالبلاد، وتحجب كل خبرٍ يمت للواقع الحزين بصلة.
في شمال البلاد، تتبدى السريالية في أبهى صورها وأكثرها وقاحة؛ حيث تطل سلطة صنعاء عبر رئيسها الصوري والموجه " المشاط"، لتوجه خطاباً لشعبٍ مغلوبٍ على أمره، يعيش بلا رواتب منذ أكثر من عقد من الزمن. وبدلاً من تسليم الحقوق وتخفيف المعاناة، يخرج "المشاط" ليعظ الموظفين والجوعى بضرورة "التبسر" وإعتاق الجيران والرفق بالأسر الضعيفة، في محاولة بائسة لتحويل مسؤولية الدولة إلى صدقات وتكافل شعبي يُعفى فيه الجلاد من جرمه.
في الوقت الذي يطحن فيه الجوع والعوز فئات الشعب كافة، تتدفق الموارد الهائلة، الجبايات الخانقة، والضرائب والإتاوات القسرية دون انقطاع، لتصُب في خزائن قلةٍ يتنعمون بخيرات البلاد ويقاسمونها مع من يوصفون بأنهم "أنجس خلق الله على وجه الأرض"، تاركين بقية الشعب يصارع رحى الفاقة التي لا ترحم.
وعلى المقلب الآخر، لا يبدو المشهد أقل قتامة؛ فالحكومة الشرعية "حدث ولا حرج". لقد استبدل مسؤولوها ميادين العمل الحقيقي بنضالٍ افتراضي رخيص عبر منصات التواصل الاجتماعي ومنابر صالونات الفنادق الفاخرة.
يصدرون القرارات العشوائية، ويدبجون الخطابات الرنانة واللامسؤولة التي تتحدث عن "إنجازات عملاقة" لا وجود لها إلا في مخيلاتهم. يسوقون للشعب وعوداً كاذبة وملغومة بالإفك، غارقة في مستنقع الخذلان، بينما هم يقتاتون على دماء هذا الشعب ومعاناته من وراء البحار.
"أيعقل أننا نعيش في حقبة مجاعة ستالين مجدداً؟"
يتساءل الشارع اليمني بمرارة. لكن المفارقة التاريخية هنا أن مجاعة الاتحاد السوفيتي قادها "ستالين" من الكرملين بقراراته الحديدية، بينما "ستالين اليمن" اليوم ليس شخصاً واحداً، بل هو منظومة الخذلان المشتركة، وفساد الإدارة، واللامبالاة من قِبل أمراء الحرب وسماسرة السياسة في الداخل والخارج.
إنها مجاعة لا تقل قسوة عن تلك التي شهدها القرن العشرون، يُراد لها أن تُحجب خلف ستائر الدعاية السياسية وفلسفات الوعظ الزائف، لكن ملامح الجوع على وجوه الأطفال وأجساد المسنين تظل الحقيقة الوحيدة الناتجة عن هذه الحرب الصامتة.