بلا عناقيد

بلا عناقيد

قبل شهر

لمح الليل الفتي والنهار لم يمض بعد، فدعاه ذلك لركن سيارته.
سمراء، وطفلها بين شالها وقفاها.
وبسرعة اختفت.
يعاود النظر فلا يجدها.
"أين ذهبت؟"

يسوي جلسته على المقعد يتشبث بالمقود، يبحث عنها، يرسل فنارتي رأسه الى الرصيف، يرى امرأة وبخها الزمان قاعدة تعبث بشعر صغيرها، يتساءل:
-" أين هي"
تلفت، أخفض الزجاج الخلفي، عاود النظر الى الخلف، أنفاسه يسحقها زفير وضيع، وككل مرة يصطنع أعذارا كي يقلع عن مطاردة فتيات الشوارع تخطر نفس الشاردة الى ذهنه " لا فائدة من ملاحقتها "ولكن سرعان ما ينفضها عن رأسه، حاول أن يهدئ من روعه، نبضات قلبه تطن طنينا كارثيا، هاهو للتو يكتشف بضاعة سمراء تجوب أبواب المتاجر مستجدية، سيظل في إثرها حتى تصنع به ما يشتهيه.
تحسست يده الورقة فئة المائة.
ترقب ظهورها من جهة المطعم المتنقل؛ أوحى لعينيه التهام كل شيء.

سكن كصياد ينتظر سمكته.

بعد قليل.
غمزت سنارة الأقدار، وظهرت عالقة في دفاتر يومياتها وقد فر الأمل من خريطة وجهها. ظهرت محملة بهدايا للرجال. ظهرت بقائمتين ثابتتين وظهر يحمل وليدها.

شغل المحرك، تراجع للوراء، خطى بسيارته الى أمامها، أمسكت سبابته والوسطى بالورقة النقدية، ولوح بها من النافذة.. صرخ:
-(وريا) صومالي تعال عندي.

كانت مادة يدها ووجهها جهة واجهة المتجر، لوت رقبتها نحوه، وأسرعت إليه.
دفعت يدها لالتقاط الورقة، فأبعدها، اقتربت خطوتين أخريتين نحوه، فالتقط أنفاسها المتسخة.
ببطء شديد مر الوقت.

زمت شفتيها، وأرخت مفاصلها؛ قوست ظهرها دون رغبة في ذلك
لقد علمت ما يريد..

أشار الى كومة النقود، دس يده اليسرى إلى الشال فأبعدته، انطلقت أنامله من طرف ثوبها إلى الداخل، تتحسس جهة القلب، قبض أصابعه " ما هذا؟ " خاوية! تحسس ثم قبض الأصابع مرة أخرى، لأشيء:" أين الرمانة".

أزاح، تطلع إلى صدرها، فارتد مرعوباّ، امتقع وجهه، سحب يده، أصابه الذهول، دفعها عنه، سرت رعشة إلى أوصاله، غاص في مقعده، أغمض عينيه ، طرق في جمجمته، صم أذنيه، صاح :

ماما، ماما ، أين تذهبون بها؟

يسمع صوتها ذاوياّ :" أصبر يا حبيبي، سوف يقتطعون حبات في صدري وأعود إليك".
تبسمت في وجهه، أطبقت من الخلف بساعديها على وليدها تتفقده، وعادت تترقب عند المتجر المارة.
بعد قليل تداخل صوت ارتطام كبير مع صوت أنثوي هادئ يقول :" وريا هات فلوس"

التعليقات

الأكثر قراءة

اتبعنا على فيسبوك

اتبعنا على تويتر